الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
420
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقرأ ابن كثير آتَيْتُمْ بترك همزة التعدية . فالمعنى عليه : إذا سلمتم ما جئتم ، أي ما قصدتم ، فالإتيان حينئذ مجاز عن القصد ، كقوله تعالى : إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الصافات : 84 ] وقال زهير : وما كان من خير أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ تذييل للتخويف ، والحث على مراقبة ما شرع اللّه ، من غير محاولة ولا مكابدة ، وقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تذكير لهم بذلك ، وإلّا فقد علموه . وقد تقدم نظيره آنفا . [ 234 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 234 ] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 234 ) انتقال إلى بيان عدة الوفاة بعد الكلام عن عدة طلاق وما اتصل بذلك من أحكام الإرضاع عقب الطلاق ، تقصيا لما به إصلاح أحوال العائلات ، فهو عطف قصة على قصة . ويتوفون مبني للمجهول ، وهو من الأفعال التي التزمت العرب فيها البناء للمجهول مثل عني واضطر ، وذلك في كل فعل قد عرف فاعله ما هو ، أو لم يعرفوا له فاعلا معينا . وهو من توفاه اللّه أو توفاه الموت فاستعمال التوفي منه مجاز ، تنزيلا لعمر الحي منزلة حق للموت ، أو لخالق الموت ، فقالوا : توفى فلان كما يقال : توفى الحق ونظيره قبض فلان ، وقبض الحق فصار المراد من توفى : مات ، كما صار المراد من قبض وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية وجاء الإسلام فقال اللّه تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ [ الزمر : 42 ] وقال : حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ [ النساء : 15 ] وقال : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [ السجدة : 11 ] فظهر الفاعل المجهول عندهم في مقام التعليم أو الموعظة ، وأبقي استعمال الفعل مبنيا للمجهول فيما عدا ذلك إيجازا وتبعا للاستعمال . وقوله : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ خبر ( الذين ) وقد حصل الربط بين المبتدأ والخبر بضمير يَتَرَبَّصْنَ ، العائد إلى الأزواج ، الذي هو مفعول الفعل المعطوف على الصلة ، فهن أزواج المتوفين ؛ لأن الضمير قائم مقام الظاهر ، وهذا الظاهر قائم مقام المضاف إلى ضمير المبتدأ ، بناء على مذهب الأخفش والكسائي من الاكتفاء في الربط بعود الضمير